الخميس، 12 ديسمبر 2013

قصة صاحب الجنتين

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الكريم وبعد فاءن قصة صاحب الجنتين قد ورد ذكرها في سورة "الكهف" بعد قصة أصحاب الكهف قال تعالى( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا).

قال المفسرون: هما أخوان من بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخركافر ورثا مالاً عن أبيهما فاشترى الكافر بماله حديقتين وأنفق المؤمن
ماله في مرضاة الله حتى نفد ماله فعيَّره الكافر بفقره فأهلك الله مال الكافر وضرب هذا مثلاً للمؤمن الذي يعمل بطاعة الله والكافر الذي أبطرته النعمة، وسوف نقوم بتفسير الآيات لقصة صاحب الجنتين حتى يتبين لنا معنى القصة بشكل واضح قال تعالى  (جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ) أي جعلنا لأحدهما وهو الكافر بستانينِ من شجر العنب مثمريْن بأنواع العنب اللذيذ (وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ) أي أحطناهما بسياجٍ من شجر النخيل (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعاً (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ  أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي كلُّ واحدة من الحديقتين أخرجت ثمرها يانعاً في غاية الجودة والطيب ولم تنقص منه شيئاً (وَفَجَّرْنَاخِلالَهُمَا نَهَرًا) أي جعلنا النهر يسير وسط الحديقتين (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) أي وكان للأخ الكافر من جنتيه أنواع من الفواكه والثمار(فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا) أي قال صاحب الجنتين لأخيه المؤمن وهو يجادله ويخاصمه ويفتخر عليه ويتعالى: أنا أغنى منك وأشرف وأكثر أنصاراً وخدماً (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)أي أخذ بيد أخيه المؤمن ودخل الحديقة يطوف به فيها ويريه ما فيها من أشجار وثمار وأنهار وهو ظالم لنفسه بالكفر (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) أي ما أعتقد أن تفنى هذه الحديقة أبداً (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) أي وما أعتقد القيامة كائنة وحاصلة فقد أنكر فناء جنته وأنكر البعث والنشور (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا) أي ولئن كان هناك بعثٌ على سبيل الفرض والتقدير كما تزعمُ فسوف يعطيني الله خيراً من هذا وأفضل (مُنقَلَبًا) أي مرجعاً وعاقبة فكما أعطاني هذا في الدنيا فسيعطيني في الآخرة لكرامتي عليه (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)
أي قال ذلك المؤمن الفقير وهو يراجع أخاه ويجادله (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) أي أجحدت الله  الذي خلق أصلك من تراب ثم من منيّ ثم سوَّاك إنساناً سويّا(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أي لكنْ أنا أعترف بوجود الله فهو ربي وخالقي (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) أي لا أُشرك مع الله غيره فهو المعبودُ وحده لا شريك له (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ) أي حين دخلتَ حديقتك وأُعجبت بما فيها من الأشجار والثمار قلت: هذا من فضل الله فما شاءَ اللهُ كان وما لم يشأْ لم يكن (لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) أي لا قدرة لنا على طاعته إلا بتوفيقه ومعونته (إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا) أي  قال المؤمن للكافر: إن كنت ترى أنني أفقر منك وتعتز عليَّ بكثرة مالك وأولادك (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ) أي إني أتوقع من صنع الله تعالى وإحسانه أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني جنةً خيراً من جنتك لإِيماني به ويسلب عنك نعمته لكفرك به ويخرّب بستانك (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) أي يرسل عليها آفةً تجتاحها أو صواعق من السماء تدمّرها (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) أي تصبح الحديقة أرضاً ملساء لا تثبت عليها قدم جرداء لا نبات فيها ولا شجر (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) أي يغور ماؤها في الأرض فيتلف كل ما فيها من الزرع والشجر وحينئذٍ لا تستطيع طلبه فضلاً عن إعادته وردّه وينتهي الحوار هنا وتكون المفاجأة المدهشة فيتحقَّق رجاءُ المؤمن بزوال النعيم عن الكافر وفجأة ينقلنا السياق من مشهد البهجة والازدهار إلى مشهد البوار والدمار (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) أي هلكت جنته بالكلية واستولى عليها الخراب والدمار في الزروع والثمار (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا) أي يقلب كفيه ظهراً لبطن أسفاً وحزناًعلى ماله الضائع وجهده الذاهب فمن قصص القران نأخذ العبر.

بقلم/ حامد الشمري
١٣-١٢-٢٠١٣م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق